الشيخ محمد الخضري بك

271

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

ومن وجوه إعجاز القران كونه اية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفّل اللّه بحفظه فقال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 1 » وقال : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ « 2 » وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها ، فلم يبق إلّا خبرها « 3 » ، والقران إلى وقتنا هذا حجّته قاهرة ، ومعارضته ممتنعة ، والأعصار كلها طافحة بأهل البيان ، وحملة علم اللسان ، وأئمة البلاغة ، وفرسان الكلام ، وجهابذة البراعة ، والملحد فيهم كثير ، والمعادي للشرع عتيد « 4 » ، فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته ، ولا ألّف كلمتين في مناقضته ، ولا قدر فيه على مطعن صحيح ، ولا قدح المتكلّف من ذهنه في ذلك إلّا بزند شحيح « 5 » ، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه ، والنكوص على عقبيه « 6 » . ولنختم لك هذا الباب بحديثه عليه الصلاة والسلام في القران قال : إنّ اللّه أنزل هذا القران امرا وزاجرا ، وسنّة خالية ، ومثلا مضروبا ، فيه نبؤكم ، وخبر ما كان قبلكم ، ونبأ ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، لا يخلقه طول الردّ ، ولا تنقضي عجائبه ، هو الحقّ ليس بالهزل ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن خاصم به فلج ، ومن حكم به أقسط ، ومن عمل به أجر ، ومن تمسّك به هدي إلى صراط مستقيم ، ومن طلب الهدى من غيره أضلّه اللّه ، ومن حكم بغيره قصمه اللّه ، هو الذّكر الحكيم ، والنّور المبين ، والصراط المستقيم ، وحبل اللّه المتين ، والشّفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن اتّبعه ، لا يعوجّ فيقوّم ، ولا يزيغ فيستعتب « 7 » . ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلق على كثرة الرّد . ومن معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم : انشقاق القمر « 8 » وقد قدّمنا حديثه مستوفى .

--> ( 1 ) سورة الحجر اية 9 . ( 2 ) سورة فصلت اية 42 . ( 3 ) أي انقضت بانقضاء أوقاتها . ( 4 ) أي حاضر في كل وقت للعدوان . ( 5 ) أي الذي لا يرى ولا يقدح . ( 6 ) أي رجع عما كان قد اعتزمه وأحجم عنه . ( 7 ) رواه الترمذي عن علي بلفظ قريب من هذا اللفظ قال الترمذي : هذا حديث لا نعرفه إلّا من هذا الوجه واسناده مجهول . سنة خاليه : طريقة متبعة . لا يخلقه طول الرد : لا تضعفه وتوهنه كثرة القراءة ، فلج : ظفر بالغلبة . ولا يزيغ فيستعب : لا يميل عن الحق ، فيستحق اللوم . ( 8 ) قد أجمع المسلمون على وقوع ذلك منه عليه الصلاة والسلام وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع . قال الفخر الرازي في تفسيره : روى انشقاق القمر عن أنس بن مالك وجبير